ابن كثير
40
تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )
قال موسى بن عقبة الزهري : كان الإسراء قبل الهجرة بسنة ، وكذا قال عروة . وقال السدي : بستة عشر شهرا ، والحق أنه عليه السلام أسري به يقظة لا مناما من مكة إلى بيت المقدس راكبا البراق ، فلما انتهى إلى باب المسجد ، ربط الدابة عند الباب ودخله ، فصلى في قبلته تحية المسجد ركعتين ، ثم أتى بالمعراج وهو كالسلم ذو درج يرقى فيها ، فصعد فيه إلى السماء الدنيا ، ثم إلى بقية السماوات السبع ، فتلقاه من كل سماء مقربوها ، وسلم على الأنبياء الذين في السماوات بحسب منازلهم ودرجاتهم ، حتى مر بموسى الكليم في السادسة ، وإبراهيم الخليل في السابعة ، ثم جاوز منزلتيهما صلّى اللّه عليه وسلّم وعليهما وعلى سائر الأنبياء ، حتى انتهى إلى مستوى يسمع فيه صريف الأقلام ، أي أقلام القدر بما هو كائن ، ورأى سدرة المنتهى وغشيها من أمر اللّه تعالى عظمة عظيمة من فراش من ذهب وألوان متعددة وغشيتها الملائكة ورأى هناك جبريل على صورته وله ستمائة جناح ورأى رفرفا أخضر قد سد الأفق ، ورأى البيت المعمور ، وإبراهيم الخليل باني الكعبة الأرضية مسند ظهره إليه ، لأنه الكعبة السماوية يدخله كل يوم سبعون ألفا من الملائكة يتعبدون فيه ثم لا يعودون إليه إلى يوم القيامة . ورأى الجنة والنار فرض اللّه عليه هنالك الصلوات خمسين ثم خففها إلى خمس رحمة منه ولطفا بعباده ، وفي هذا اعتناء عظيم بشرف الصلاة وعظمتها . ثم هبط إلى بيت المقدس وهبط معه الأنبياء فصلى بهم فيه لما حانت الصلاة ، ويحتمل أنها الصبح من يومئذ ، ومن الناس من يزعم أنه أمهم في السماء ، والذي تظاهرت به الروايات أنه ببيت المقدس ، ولكن في بعضها أنه كان أول دخوله إليه . والظاهر أنه بعد رجوعه إليه لأنه لما مر بهم في منازلهم جعل يسأل عنهم جبريل واحدا واحدا ، وهو يخبره بهم ، وهذا هو اللائق ، لأنه كان أولا مطلوبا إلى الجناب العلوي ليفرض عليه وعلى أمته ما يشاء اللّه تعالى ، ثم لما فرغ من الذي أريد به ، اجتمع به هو وإخوانه من النبيين ثم أظهر شرفه وفضله عليهم بتقديمه في الإمامة ، وذلك عن إشارة جبريل عليه السلام له في ذلك . ثم خرج من بيت المقدس فركب البراق وعاد إلى مكة بغلس ، واللّه سبحانه وتعالى أعلم ، وأما عرض الآنية عليه من اللبن والعسل أو اللبن والخمر ، أو اللبن والماء أو الجميع فقد ورد أنه في بيت المقدس وجاء أنه في السماء . ويحتمل أن يكون هاهنا وهاهنا ، لأنه كالضيافة للقادم ، واللّه أعلم ، ثم اختلف الناس : هل كان الإسراء ببدنه عليه السلام وروحه ، أو بروحه فقط ؟ على قولين ، فالأكثرون من العلماء على أنه أسري ببدنه وروحه يقظة لا مناما ، ولا ينكرون أن يكون رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم رأى قبل ذلك مناما ثم رآه بعد يقظة ، لأنه كان عليه السلام لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، والدليل على هذا قوله تعالى : سُبْحانَ الَّذِي أَسْرى بِعَبْدِهِ لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بارَكْنا حَوْلَهُ فالتسبيح إنما يكون عند